الشيخ عباس القمي

165

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار

في جهالاتهم ، وكانت عمومة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم امّا مسلم مهين ، أو كافر معاند الّا حمزة فإنه لم يمتنع من الإسلام ولا يمتنع الإسلام منه ، فمضى لسبيله على بيّنة منه ، وأمّا أبو طالب فانّه كفله وربّاه ، ولم يزل مدافعا عنه ومانعا منه ، فلمّا قبض اللّه سبحانه أبا طالب فهمّ القوم وأجمعوا عليه ليقتلوه ، فهاجر إلى القوم الذين : « تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ » « 1 » الآية ، فلم يقم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أحد من المهاجرين كقيام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فإنّه آزره ووقاه بنفسه ونام في مضجعه ، ثمّ لم يزل بعد متمسكا بأطراف الثغور وينازل الأبطال ، ولا ينكل عن قرن « 2 » ، ولا يولّي عن جيش ، منيع القلب ، يؤمّر على الجميع ولا يؤمّر عليه ، أشدّ الناس وطأة على المشركين ، وأعظمهم جهادا في اللّه ، وأفقههم في دين اللّه ، وأقرأهم لكتاب اللّه ، وأعرفهم بالحلال والحرام ، وهو صاحب الولاية في حديث غدير خمّ ، وصاحب قوله : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى الّا انّه لا نبيّ بعدي » ، وصاحب يوم الطائف ، وكان أحبّ الخلق إلى اللّه تعالى وإلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وصاحب الباب فتح له وسدّ أبواب المسجد ، وهو صاحب الراية يوم خيبر ، وصاحب عمرو بن عبد ودّ في المبارزة ، وأخو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حين آخى بين المسلمين ، وهو منيع جزيل ، وهو صاحب آية : « وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً » « 3 » وهو زوج فاطمة سيدة نساء العالمين ، وسيدة نساء أهل الجنة عليها السّلام ، وهو ختن خديجة ( رضي اللّه عنها ) ، وهو ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ربّاه وكفله ، وهو ابن أبي طالب في نصرته وجهاده ، وهو نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في يوم المباهلة ، وهو الذي لم يكن أبو بكر وعمر ينفذان حكما حتّى يسألانه عنه ، فما رأى انفاذه أنفذاه ، وما لم يره ردّاه ، واللّه لو كان ما في أمير المؤمنين عليه السّلام من المناقب

--> ( 1 ) سورة الحشر / الآية 9 . ( 2 ) القرن بالكسر : كفوك في الشجاعة . ( مج ) . ( 3 ) سورة الإنسان / الآية 8 .